ابراهيم بن عمر البقاعي
229
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 19 إلى 21 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ( 19 ) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ( 20 ) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 21 ) ولما انقضى ما تخلل ذكر النساء الوالدات للوراث ، وختمه بهذا التهديد الهائل لمن فعل ما لا يحل له ؛ وصل الكلام فيهن بأمر من فعله ، فهو زان مصر على الزنى إلى الموت إن اعتقد حرمته ، أو كافر إن اعتقد حله ، فقال مشيرا بتخصيص المؤمنين عقب وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [ النساء : 18 ] إلى أنه لا يرث كافر من مسلم ، وإلا لقال : يا أيها الناس - مثلا ، منفرا من ذلك بالتقييد بما هو لأدنى الإيمان : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي فوقف بهم الإيمان عند زواجرنا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ أي مالهن كَرْهاً أي كارهين لهن ، لا حامل لكم على نكاحهن إلا رجاء الإرث ، وذلك أنهم كانوا ينكحون اليتامى لمالهن ، وليس لهم فيهن رغبة إلا تربص الموت لأخذ مالهن ميراثا - كما سيأتي في تفسير وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ [ النساء : 127 ] أو يكون الفعل واقعا على نفس النساء ، ويكون ( كَرْهاً ) على هذا حالا مؤكدة ، أي كارهات ، أو ذوات كره ، وذلك لأن الرجل كان إذا مات وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فيلقي ثوبه عليها ، فيصير أحق بها من نفسها ومن غيرها ، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت ، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج ، يضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت ، أو تموت هي فيرثها ، وكان أهل المدينة على هذا حتى توفي أبو قيس بن الأسلت ، ففعل ابنه حصن هذا مع زوجة له ، فشكت ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأنزل اللّه هذه الآية ، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال ؛ « كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاؤوا زوجوها ، وإن شاؤوا لم يزوجوها ، وهم أحق بها من أهلها ، فنزلت هذه الآية في ذلك لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً » « 1 » ولهذا أتبعه سبحانه قوله : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ أي تمنعوهن من التزوج بعد طلاقكم لهن أو بعد موت أزواجهن ، أو تشددوا عليهن بالمضارة وهن في حبائلكم ؛ قال البيضاوي :
--> ( 1 ) موقوف صحيح . أخرجه البخاري 4579 عن ابن عباس موقوفا عليه .